قف أمام فرّان الحي في فاس في السابعة والنصف صباحًا، وسترى العائلات تصل حاملة صواني العجين لتُخبز. وتحمل بعض الأرغفة علامات صغيرة مميزة حتى يفرّقها الخبّاز عن خبز البيوت الأخرى. والفرّان فرن حطب جماعي يوجد تقليديًا في أحياء المدن العتيقة المغربية، تحمل إليه البيوت العجين المحضّر في المنزل ليُخبز بدلًا من أن يكون لكل بيت فرنه. وهو جزء من البنية القديمة للحياة الحضرية المغربية، نظام بُني حول الحقائق العملية لحياة الحي لا حول السياحة. وهو، في صورة مصغّرة، طريقة مفيدة لفهم الثقافة المغربية: فكثير من التقاليد بقي لأنه ظل نافعًا، يتكيف مع الظروف الجديدة من دون أن يختفي بالضرورة حين يصل شيء أحدث.
يقع المغرب على مفترق طرق حقيقي: شعوب أمازيغية جذورها في شمال أفريقيا أقدم بكثير من الفتوحات العربية الإسلامية، ودول عربية إسلامية توسعت في المنطقة منذ القرن السابع، ولاجئون أندلسيون انتقلوا جنوبًا من شبه الجزيرة الإيبيرية على مدى قرون، وشبكات عبر الصحراء نقلت البضائع والناس بين غرب أفريقيا وشمالها، ومجتمع يهودي تمتد جذوره في المغرب نحو ألفي عام، وحكم استعماري فرنسي وإسباني وُضع فوق كل ذلك في القرن العشرين. وما يميّز المغرب في هذه السلسلة ليس أن أيًّا من هذه القوى التاريخية لم يُزح ما سبقه أو يغيّره، فقد فعلت ذلك. اللافت هو كثرة اللغات والعادات والتقاليد الفنية والممارسات الدينية والحِرف القديمة التي بقيت حين دخلت في المجتمع المغربي اللاحق.
من أين جاءت الثقافة
في هذا القسم
وتجنّب المغرب الحكم الاستعماري الأوروبي المباشر مدة أطول من بعض جيرانه، لكنه لم يبقَ بمنأى عن القوة الأوروبية.
الأمازيغ هم السكان الأصليون لشمال أفريقيا، ولمجتمعاتهم وتقاليدهم الثقافية جذور في المنطقة قبل الفتوحات العربية الإسلامية بزمن طويل. وفي أنحاء ما هو اليوم المغرب طوّرت المجتمعات الأمازيغية لغاتها وبناها الاجتماعية وأنظمتها الزراعية وتقاليدها الفنية في مناطق منها الريف وجبال الأطلس والجنوب ما قبل الصحراوي. وأثّر الاتصال الفينيقي ثم الروماني في أجزاء من المنطقة، خاصة على الساحل المتوسطي وفي الشمال، لكن التوسع العربي الإسلامي الذي بدأ في أواخر القرن السابع هو الذي غيّر المنطقة تغييرًا أعمق. فقد انتشر الإسلام تدريجيًا بين السكان، وازدادت أهمية العربية إلى جانب اللغات الأمازيغية القائمة. ولم تكن النتيجة اختفاء المجتمع الأمازيغي. فقد حكمت عدة دول إسلامية بقيادة أمازيغية، منها المرابطون والموحدون، أراضي واسعة في المغرب العربي والأندلس، فجعلت المغرب في العصور الوسطى مركزًا سياسيًا وثقافيًا كبيرًا للعالم الإسلامي الغربي.
وزاد سقوط غرناطة عام 1492 من تاريخ أطول بكثير من التنقل بين شبه الجزيرة الإيبيرية والمغرب. فقد استقر لاجئون مسلمون ويهود، ثم الموريسكيون، في المدن المغربية، واستوعبت أماكن مثل فاس وتطوان تأثيرات أندلسية قوية في العمارة والموسيقى والحِرف والطعام. وتطوان خاصة أعاد بناءها لاجئون أندلسيون بعد سقوط الأندلس، وتصف اليونسكو نسيجها العمراني التاريخي بأنه تشكّل بقوة من تلك الهجرة. وما زال هذا التأثير ظاهرًا في عمارة المدينة وتقاليدها الثقافية لا مجرد هامش في التاريخ.
وللمجتمع اليهودي في المغرب جذور تمتد نحو ألفي عام، ونما عدده عبر فترات متتالية من الهجرة، منها وصول اليهود المطرودين من شبه الجزيرة الإيبيرية في أواخر القرن الخامس عشر. وفي عدة مدن مغربية عاشت المجتمعات اليهودية في أحياء تُعرف بالملاح، وإن اختلف تاريخ هذه الأحياء وطابعها من مدينة إلى أخرى. وطوّرت المجتمعات اليهودية مؤسساتها الدينية والتجارية والثقافية الخاصة، وشارك المغاربة اليهود والمسلمون في الاقتصاد الحضري نفسه والحياة الثقافية نفسها. وتراجع المجتمع تراجعًا كبيرًا في القرن العشرين حين هاجر مئات الآلاف من يهود المغرب، خاصة إلى إسرائيل وفرنسا. واليوم المجتمع صغير، إذ تقدّر تقديرات حديثة للحكومة الأمريكية عدد اليهود بنحو 1,500 شخص، لكن المعابد والمقابر والملاحات السابقة ومواقع تراثية أخرى ما زالت جزءًا من المشهد التاريخي للمغرب، وقد استثمرت الدولة المغربية في الحفاظ على عدد منها وترميمه.
وربطت تجارة الرقيق عبر الصحراء المغرب بمجتمعات غرب أفريقيا قرونًا، فنقلت المستعبدين شمالًا عبر الصحراء إلى جانب شبكات تجارية نقلت أيضًا الذهب والملح وسلعًا أخرى. ولم تنتهِ هذه التجارة في القرن السابع عشر، بل استمرت أشكال من تجارة الرقيق والعبودية إلى القرن التاسع عشر ثم تراجعت تدريجيًا. وارتبط بعض من جُلبوا شمالًا عبر هذه الشبكات، وأحفادهم، بتقليد كناوة، وهو من أكثر التقاليد الموسيقية والروحية تميزًا في المغرب. فهذا التاريخ إذن لا ينفصل عن التنقل عبر الصحراء ولا عن النقل القسري للناس عبر الطرق نفسها.
وتجنّب المغرب الحكم الاستعماري الأوروبي المباشر مدة أطول من بعض جيرانه، لكنه لم يبقَ بمنأى عن القوة الأوروبية. ففي عام 1912 فرضت فرنسا الحماية على معظم البلد، بينما سيطرت إسبانيا على مناطق أصغر في الشمال والجنوب، إلى جانب منطقة طنجة الدولية. وانتهت الحماية عام 1956 حين استعاد المغرب سيادته الكاملة في ظل الملكية العلوية التي ظلت قائمة خلال فترة الحماية. وتعيد الأسرة العلوية نسبها إلى النبي محمد، ويحمل ملك المغرب أيضًا اللقب الدستوري "أمير المؤمنين"، مما يمنح الملكية دورًا دينيًا مهمًا إلى جانب دورها السياسي.
وصار الملك محمد الخامس، الذي حكم خلال الانتقال إلى الاستقلال، رمزًا محوريًا للوطنية المغربية. فقد نفته السلطات الفرنسية عام 1953 ووضعت حاكمًا آخر مكانه، لكن الضغط السياسي ساهم في النهاية في عودته عام 1955 واستقلال المغرب في العام التالي. وحكم ابنه الحسن الثاني من 1961 إلى 1999. وجمع عهده بين مشاريع اقتصادية وبنية تحتية كبرى قادتها الدولة وفترات من القمع السياسي الشديد، منها السجن والاختفاء القسري والقيود على المعارضة السياسية. وصار محمد السادس ملكًا عام 1999. وشمل عهده إصلاحات قانونية ومؤسسية مهمة، منها مراجعة مدونة الأسرة عام 2004، التي غيّرت القواعد المتعلقة بالزواج والطلاق وحقوق المرأة داخل الأسرة.
المجموعات العرقية واللغات
في هذا القسم
وفي المدن من المعتاد أن ينتقل المتكلمون بين الدارجة والفرنسية والإسبانية والأمازيغية بحسب الشخص الذي يحدّثونه والموضوع والمكان.
لسكان المغرب جذور عربية أمازيغية عميقة، لكن يصعب تحديد الحجم الدقيق لمن يعرّفون أنفسهم أمازيغ تحديدًا، لأن الهوية العرقية واستعمال اللغة ليسا شيئًا واحدًا. فقد وجد إحصاء المغرب لعام 2024 أن 24.8 في المئة من السكان يستعملون لغة أمازيغية: 14.2 في المئة يستعملون تشلحيت، و7.4 في المئة تمازيغت، و3.2 في المئة تاريفيت. ووجد الإحصاء نفسه أن 91.9 في المئة من السكان يستعملون العربية المغربية، المعروفة بالدارجة، في الحياة اليومية. وهذه الأرقام تصف استعمال اللغة لا العرق، فلا ينبغي اعتبارها قياسًا مباشرًا لعدد المغاربة الأمازيغ عرقيًا.
والمجتمعات الأمازيغية نفسها ليست متطابقة ثقافيًا ولا لغويًا. فالريفيون في الريف الشمالي، والناطقون بتمازيغت الأطلس المتوسط، ومجتمعات الشلوح في الجنوب ومنطقة سوس، لهم تقاليد لغوية وثقافية متميزة، وإن جمعتهم الهوية الأمازيغية الأوسع.
والعربية المغربية، المعروفة بالدارجة، هي لغة الكلام اليومي الرئيسية لمعظم السكان. وهي مختلفة عن العربية الفصحى المعاصرة إلى حد أن المتكلم بالعربية من بلد آخر قد يجد صعوبة في متابعة حديث مغربي من دون أن يكون قد سمعها من قبل. وتطورت الدارجة عبر احتكاك طويل بين العربية واللغات والثقافات المحيطة بها، ومنها اللغات الأمازيغية، والفرنسية والإسبانية في مناطق وفترات مختلفة.
وما زالت الفرنسية مستعملة على نطاق واسع في الأعمال والتعليم العالي والحياة المهنية وأجزاء من الإدارة، مع أنها ليست لغة رسمية في الدستور. وللإسبانية حضور أقوى في شمال المغرب، مما يعكس تاريخ المناطق التي سيطرت عليها إسبانيا. وفي المدن من المعتاد أن ينتقل المتكلمون بين الدارجة والفرنسية والإسبانية والأمازيغية بحسب الشخص الذي يحدّثونه والموضوع والمكان. والنتيجة بيئة لغوية يكون فيها التنقل بين اللغات جزءًا عاديًا من التواصل اليومي، لا قرارًا رسميًا حول لغة واحدة تمثل الهوية المغربية.
الدين والمعتقد
في هذا القسم
وقد تشمل طقوس كناوة الموسيقى والدعاء والتكرار الإيقاعي وممارسات طقسية مرتبطة بالشفاء والتواصل مع كائنات روحية.
المغرب ذو أغلبية سنية ساحقة. وتضع تقديرات الحكومة الأمريكية المسلمين السنّة عند أكثر من 99 في المئة من السكان. وللإسلام أيضًا مكانة دستورية محددة: فالملك أمير المؤمنين، ويمنحه الدستور مسؤولية السهر على احترام الإسلام مع ضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية.
ويرتبط الدور الديني للملكية جزئيًا بانتساب الأسرة العلوية إلى النبي محمد، لكن الحياة الدينية المغربية تمتد بعيدًا عن القصر. فقد أدت التقاليد الصوفية والأولياء المحليون والزوايا والطرق الدينية تاريخيًا أدوارًا مهمة في أنحاء مختلفة من البلد. والمواسم، وهي احتفالات مرتبطة بأولياء أو أماكن دينية بعينها، قد تجمع بين الزيارة والأسواق والموسيقى والتبوريدة واللقاءات المجتمعية. ويختلف طابعها كثيرًا من منطقة إلى أخرى.
والمجتمع اليهودي التاريخي في المغرب، وإن تقلّص كثيرًا عن حجمه في منتصف القرن العشرين، ما زال أكبر مجتمع يهودي متبقٍّ بين البلدان العربية. وقد ركّزت الدولة المغربية في السنوات الأخيرة أكثر على الحفاظ على التراث اليهودي، ومن ذلك ترميم المعابد والمقابر وإدخال التاريخ اليهودي في العرض الرسمي للتراث المغربي. وصار هذا النهج ظاهرًا بشكل خاص بعد استئناف المغرب علاقاته الدبلوماسية الرسمية مع إسرائيل عام 2020، وإن كان الحفاظ على التراث اليهودي قد بدأ قبل ذلك.
وتضيف الممارسة الروحية لكناوة بعدًا آخر إلى المشهد الديني المغربي. فقد تطور هذا التقليد بين مجتمعات مغربية سوداء ترتبط تواريخها بغرب أفريقيا والعبودية والتنقل عبر الصحراء. وقد تشمل طقوس كناوة الموسيقى والدعاء والتكرار الإيقاعي وممارسات طقسية مرتبطة بالشفاء والتواصل مع كائنات روحية. ومن أهم أشكال الطقس "الليلة"، وهي طقس ليلي طويل تستمر فيه الموسيقى والممارسة الروحية ساعات. ولهذه الطقوس أهمية دينية ومجتمعية تتجاوز تقديمها اللاحق على مسارح الحفلات.
وتحافظ المجتمعات الأمازيغية في جبال الأطلس والمناطق ما قبل الصحراوية أيضًا على عادات محلية حول الأولياء والأضرحة والاحتفالات الموسمية وممارسات الحماية. وتختلف هذه التقاليد من مجتمع إلى آخر. فالإسلام المغربي لم يوجد يومًا ممارسة واحدة متطابقة تُؤدّى بالطريقة نفسها في كل مكان، بل شكّل التاريخ المحلي والجغرافيا وتقاليد المجتمعات طريقة عيش الحياة الدينية من مكان إلى آخر.
الطعام
في هذا القسم
ويكمّل الحامض المصبّر، والحريرة، وهي حساء يُؤكل عادة عند الإفطار في رمضان، والبسطيلة بعضًا من أشهر أطباق البلد.
الطاجين، وهو طبق يُطهى على مهل ويحمل اسم الإناء الفخاري ذي الغطاء المخروطي المميز الذي يُحضَّر فيه تقليديًا، أشهر طعام مغربي في العالم. وله نسخ إقليمية وعائلية لا تُحصى، تستعمل مكونات مثل لحم الضأن والدجاج والسمك والخضروات والزيتون والحامض المصبّر والفواكه المجففة. وقد تشمل التوابل الزنجبيل والقرفة والزعفران والكمون والكركم بحسب الوصفة. وتعكس هذه التوليفات التقاليد الزراعية المحلية وقرونًا من التبادل التجاري والثقافي عبر المتوسط والصحراء والعالم الإسلامي الأوسع.
وللكسكس أهمية من نوع آخر. فهو يُصنع تقليديًا من السميد ويُطهى على البخار عدة مرات، ويرتبط عادة بوجبة الجمعة العائلية في المغرب، وإن اختلفت العادات الدقيقة المحيطة به بين البيوت والمناطق. وتحضير الكسكس جيدًا عمل يحتاج مهارة، ويُقدَّم الطبق كثيرًا جماعيًا، والحبوب مرتبة حول الخضروات أو اللحم أو مرق آخر.
وشاي النعناع، المصنوع عادة من الشاي الأخضر والنعناع الطازج والسكر، من أشهر ممارسات الضيافة في المغرب. ويُصبّ الشاي تقليديًا من علو في كؤوس صغيرة فتتكوّن رغوة خفيفة. وتقديم الشاي للضيف أمر شائع في المجتمع المغربي كله، وإن اختلفت تفاصيل التحضير ودرجة الحلاوة وعدد المرات بين البيوت. والطقس عملي بقدر ما هو اجتماعي: فالجلوس للشاي يعطي سببًا للتوقف والحديث والترحيب بشخص في البيت.
ويكمّل الحامض المصبّر، والحريرة، وهي حساء يُؤكل عادة عند الإفطار في رمضان، والبسطيلة بعضًا من أشهر أطباق البلد. والبسطيلة فطيرة بطبقات ترتبط تقليديًا بالطيور، خاصة الحمام، وإن صار الدجاج شائعًا اليوم، مع مكونات مثل اللوز والبيض والتوابل والسكر. وتاريخها الدقيق موضع نقاش، لكن تطورها يرتبط بقوة بالصلات الطويلة في الطبخ بين المغرب والأندلس.
وثقافة طعام الشارع ظاهرة بشكل خاص في ساحة جامع الفنا بمراكش، حيث تعمل أكشاك الطعام إلى جانب الموسيقيين والحكواتيين والمؤدّين والباعة الآخرين. والساحة ليست مجرد سوق، فقد أدرجتها اليونسكو في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2008، اعترافًا بتقاليد الأداء الشفهي والنشاط الثقافي المرتبطة بها.
الموسيقى والرقص والفن
في هذا القسم
فأحواش وأحيدوس يشملان الغناء الجماعي والإيقاع والحركة المنسّقة، وإن اختلفت أشكالهما كثيرًا بين المجتمعات.
نشأت موسيقى كناوة من تاريخ مجتمعات مغربية سوداء ارتبط أجدادها بغرب أفريقيا وبتجارة الرقيق عبر الصحراء. ويقوم التقليد على آلات منها الكمبري، وهو عود باص بثلاثة أوتار، والقراقب، وهي صنوج معدنية كبيرة تساعد إيقاعاتها المتكررة على دفع الموسيقى. وتجمع كناوة بين الأداء الموسيقي والممارسة الروحية، ويرتبط مخزونها بالتقاليد الصوفية وطقوس الشفاء وذكريات التهجير والهجرة القسرية.
وأدرجت اليونسكو كناوة في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2019. وما زال التقليد موجودًا في سياقاته الدينية المجتمعية وعلى المسارح العامة معًا. وقد ساعد مهرجان كناوة وموسيقى العالم السنوي في الصويرة، الذي تأسس عام 1998، على تعريف الجماهير العالمية بموسيقيي كناوة، وأنتج تعاونات مع فنانين في الجاز والبلوز وموسيقى العالم.
و"الآلة"، وهي تقليد الموسيقى الأندلسية الكلاسيكية في المغرب، تطورت من الثقافة الموسيقية التي حُملت جنوبًا من الأندلس وحُفظت في مدن مغربية منها فاس وتطوان والرباط وسلا وطنجة. وتُسمّى بناها الموسيقية الكبرى "النوبات"، وهي متتاليات طويلة تقوم على مقامات معيّنة وتسلسلات منظمة. وليست هذه الموسيقى مجرد بقايا من إسبانيا القروسطية، بل حافظت عليها المؤسسات الموسيقية والفرق وتقاليد التعليم المغربية.
والملحون تقليد موسيقي وشعري مغربي كبير آخر. وهو شعر مغنّى بالعربية المغربية، ارتبط تاريخيًا بالحرفيين في المدن وثقافة الحِرف. وبعض مخزون الملحون موجود أيضًا بالعبرية. وأدرجت اليونسكو الملحون في قائمة التراث الثقافي غير المادي عام 2023، معترفة به فنًا شعريًا وموسيقيًا شعبيًا تطور عبر الثقافة الحضرية المغربية.
وتضيف التقاليد الموسيقية الأمازيغية طبقة إقليمية كبرى أخرى. فأحواش وأحيدوس يشملان الغناء الجماعي والإيقاع والحركة المنسّقة، وإن اختلفت أشكالهما كثيرًا بين المجتمعات. والركادة، المرتبطة خاصة بشمال شرق المغرب، تطورت من تقاليد رقص أمازيغية إقليمية، وتُؤدّى اليوم في الاحتفالات والمناسبات الثقافية. أما الشعبي فتطور شكلًا من الموسيقى الشعبية المغربية، وهو مختلف عن النوع الجزائري الذي يحمل الاسم نفسه. وما زال مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالأعراس والاحتفالات، بينما صنع موسيقيو الهيب هوب والمزج المغاربة المعاصرون مساحات جديدة لتناول موضوعات اجتماعية وسياسية.
اللباس والأقمشة والحِرف
في هذا القسم
ويختلف إنتاج الزرابي أيضًا كثيرًا بحسب المنطقة، إذ طوّرت مجتمعات أمازيغية وحضرية مختلفة زخارفها وتقنياتها وموادها الخاصة.
ما زالت الجلابة، وهي ثوب فضفاض بقلنسوة، من أشهر الأزياء التقليدية في المغرب، ويلبسها الرجال والنساء. ويحتل القفطان مكانًا أكثر رسمية في اللباس المغربي، خاصة في الأعراس والاحتفالات الكبرى الأخرى. وقد تشمل أزياء العرس المغربي عدة تغييرات للباس، إذ تستمد العائلات من تقاليد إقليمية وعائلية بدلًا من اتباع شكل وطني واحد.
وما زالت صناعة الجلود المغربية، خاصة في فاس، من أشهر الحِرف التقليدية في البلد. فدباغات المدينة التاريخية جزء من اقتصاد حرفي أوسع ما زال يعمل داخل المدينة العتيقة، إلى جانب أشغال المعادن والنجارة والتطريز والنسيج والفخار. ويختلف إنتاج الزرابي أيضًا كثيرًا بحسب المنطقة، إذ طوّرت مجتمعات أمازيغية وحضرية مختلفة زخارفها وتقنياتها وموادها الخاصة.
والزليج، وهو فسيفساء البلاط الهندسية المرتبطة خاصة بالعمارة المغربية، حرفة أخرى شديدة التخصص. يقطع الحرفيون البلاط الملوّن المزجّج إلى قطع هندسية دقيقة ويجمعونها في نقوش كبيرة. وبقيت فاس مركزًا مهمًا لهذه الحرفة، ويواصل المعلّمون تدريب المتعلمين عبر العمل العملي بدلًا من الاعتماد كليًا على التعليمات المكتوبة.
وما زالت الحرفة تُمارس وتُطلب بنشاط. ففي عام 2025 أطلق المغرب مشروعًا رسميًا لنيل اعتراف اليونسكو بتقاليد الزليج في فاس وتطوان تراثًا ثقافيًا غير مادي، واصفًا الحرفة بأنها تقليد حي ينتقل من المعلّمين إلى المتعلمين.
وبقي الحمّام، وهو الحمّام العمومي التقليدي في المغرب، جزءًا من الحياة الاجتماعية اليومية أيضًا. فتاريخيًا وفّرت حمّامات الأحياء مكانًا للاغتسال في زمن لم يكن فيه لكثير من البيوت حمّامات حديثة، لكن دورها تجاوز الاغتسال. فقد صارت أماكن يلتقي فيها الجيران ويتبادلون الأخبار ويستعدون للمناسبات المهمة. ودُرست حمّامات النساء خاصة بوصفها فضاءات اجتماعية مهمة، وما زالت زيارة الحمّام قبل العرس جزءًا من عادات الأعراس المغربية في كثير من العائلات.
المهرجانات والاحتفالات وطقوس العبور
في هذا القسم
واعترف المغرب رسميًا بالسنة الأمازيغية الجديدة عطلة وطنية مؤدى عنها عام 2023، محددًا 14 يناير عطلة رسمية سنوية.
تجمع المواسم المرتبطة بالأولياء المحليين بين الممارسة الدينية والنشاط المجتمعي، وإن اختلف شكلها الدقيق كثيرًا. فبعضها يشمل الزيارة، وبعضها الأسواق أو الموسيقى أو التبوريدة أو تقاليد محلية أخرى. والمهم أن هذه التجمعات كثيرًا ما تربط الممارسة الدينية بالحياة المجتمعية العادية.
ويبقى رمضان وعيد الفطر في قلب التقويم الإسلامي في المغرب، بينما يستضيف البلد أيضًا مهرجانات ثقافية كبرى بتواريخ وأغراض مختلفة جدًا. فقد بدأ مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة عام 1994، وبدأ مهرجان كناوة وموسيقى العالم في الصويرة عام 1998، وتأسس مهرجان موازين في الرباط عام 2001. ومع الاحتفالات الأمازيغية الإقليمية وفعاليات محلية أخرى تشكّل هذه المهرجانات تقويمًا تتداخل فيه التقاليد الدينية والموسيقية والفنية والمجتمعية من دون أن تتطابق.
وقد تجمع الأعراس المغربية عدة من التقاليد الثقافية للبلد في مناسبة عائلية واحدة. فيختلف البرنامج الدقيق بين المناطق والعائلات، لكن الأعراس قد تشمل الموسيقى الأندلسية والأغاني أو الرقصات الأمازيغية وعروض كناوة وعدة تغييرات للأزياء التقليدية. وبدلًا من تمثيل عرس مغربي نموذجي واحد، تُظهر هذه التوليفات كيف تستمد العائلات من تقاليد إقليمية وثقافية مختلفة حين تحتفل بواحدة من أهم المناسبات في حياتها.
واعترف المغرب رسميًا بالسنة الأمازيغية الجديدة عطلة وطنية مؤدى عنها عام 2023، محددًا 14 يناير عطلة رسمية سنوية. ويستمد الاحتفال نفسه من تقاليد أمازيغية أقدم تختلف أطعمتها وطقوسها وعاداتها بين المجتمعات. وفي المغرب صارت العطلة الجديدة أيضًا تعبيرًا عامًا مهمًا عن الهوية الثقافية الأمازيغية.
نص دستوري عن الهوية المغربية
اعترف دستور المغرب لعام 2011، الذي اعتُمد في فترة احتجاجات سياسية وإصلاحات دستورية في أنحاء العالم العربي، رسميًا بالأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية. لكن النص الدستوري ذهب أبعد من اللغة.
فتصدير الدستور يصف الهوية المغربية بأنها ذات مكونات عربية إسلامية وأمازيغية وصحراوية حسانية، ويصفها أيضًا بأنها غنية بروافدها الأفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية. وهذه الصياغة مهمة لأنها تعطي اعترافًا قانونيًا لعدة خيوط تاريخية شكّلت المجتمع المغربي.
ولا يقول الدستور إن هذه الهويات تعايشت دائمًا بسلام أو إن كل مغربي يعيشها بالطريقة نفسها. لكنه يقدّم وصفًا رسميًا للمغرب بلدًا تشكّلت هويته الوطنية من عدة مصادر تاريخية وثقافية لا من قصة أصل واحدة.
وتساعد هذه الفكرة على فهم لماذا يمكن للثقافة المغربية أن تضم ممارسات ذات تواريخ مختلفة جدًا من دون أن يُلغي أحدها الآخر.
ما يبقى في الحياة اليومية
في هذا القسم
ويواصل معلّمو الزليج في فاس وصنّاع الجلود وحرفيون آخرون تدريب أجيال جديدة، حتى مع تغيّر اقتصاد الحِرف التقليدية.
ما زالت موسيقى كناوة تجذب الجماهير في المغرب وخارجه، خاصة عبر مهرجان الصويرة، بينما تبقى طقوس "الليلة" جزءًا من الحياة الدينية والمجتمعية لكناوة. فقد دخلت الموسيقى قاعات الحفلات والتعاونات الدولية من دون أن تختفي من السياقات التي نشأت فيها تقاليدها الروحية.
ويواصل معلّمو الزليج في فاس وصنّاع الجلود وحرفيون آخرون تدريب أجيال جديدة، حتى مع تغيّر اقتصاد الحِرف التقليدية. ولم تعد هذه التقنيات محمية لمجرد أن الحياة الحديثة تركتها على حالها، بل تبقى لأن الحرفيين والزبائن والعائلات ومشاريع الترميم والمؤسسات الثقافية يواصلون إعطاءها أسبابًا للوجود.
وفي الأحياء التي ما زال الفرّان القديم يعمل فيها، تواصل العائلات روتينًا عاش أجيالًا: عجين يُحضَّر في البيت، ويُحمل إلى الفرن الجماعي، ويُعلَّم ليعرفه الخبّاز، ويُخبز بجانب أرغفة الجيران، ويعود إلى البيت ساخنًا.
ويظهر النمط نفسه في أماكن أخرى. فالحمّام يبقى مؤسسة اجتماعية إلى جانب كونه مكانًا للاغتسال. والزليج ما زال يُقطع باليد. وشاي النعناع ما زال يُصبّ للضيوف. وموسيقيو كناوة ما زالوا يعزفون لمجتمعاتهم وللجماهير العالمية معًا. واللغات الأمازيغية تُتكلَّم إلى جانب الدارجة والفرنسية والإسبانية. ومواقع التراث اليهودي ما زالت جزءًا من المشهد التاريخي للبلد.
لقد تغيّر المغرب مرارًا. تغيّرت دوله، وتغيّرت حدوده، وتطورت لغاته، ونمت حياته الدينية، واتسعت مدنه، وتنقّل سكانه. واختفت بعض التقاليد، وتحوّل بعضها حتى صار لا يُعرف.
لكن كثيرًا من الممارسات القديمة لم يكن عليها أن تبقى جامدة لكي تعيش. فقد تكيفت، وانتقلت إلى سياقات جديدة، واكتسبت معاني جديدة، مع الاحتفاظ بما يكفي من شكلها الأصلي لتبقى مألوفة.
ولعل هذه هي الطريقة الأنفع لفهم التاريخ الثقافي للمغرب: لا بوصفه بلدًا لم يُستبدل فيه شيء قط، بل بوصفه مكانًا كثيرًا ما بقيت فيه الطبقات التاريخية المتعاقبة ظاهرة داخل ما جاء بعدها.