تعرّف على الثقافة المصرية وتاريخها وتقاليدها وطعامها ودينها ولغتها وموسيقاها وتراثها، من مصر القديمة إلى التقاليد التي ما زالت تشكّل الحياة اليوم.
في اليوم الربيعي الذي يلي عيد القيامة القبطي، تخرج عائلات مصرية كثيرة ومعها البيض الملوّن والسمك المملّح والبصل الأخضر والخس. وتمتلئ الحدائق وضفاف النيل والأماكن المفتوحة بأناس يقضون يومهم في الهواء الطلق. هذا هو شم النسيم، أحد أقدم الأعياد السنوية في مصر. وتعيد مصادر حكومية مصرية أصل العيد إلى أكثر من 4,500 عام، إلى تقاليد مصرية قديمة مرتبطة بالربيع والحصاد. وبعض الأطعمة والعادات المرتبطة به اليوم، ومنها السمك المملّح والبصل والخس والبيض الملوّن، مذكورة أيضًا في روايات عن ممارسات مصرية أقدم.
لكن العيد ينتمي أيضًا إلى مصر أحدث بكثير. فهو يأتي مباشرة بعد عيد القيامة القبطي، لكنه يُحتفل به على نطاق واسع خارج المجتمع المسيحي، ومن ذلك المصريون المسلمون. وما زال الفسيخ، وهو السمك المملّح المخمّر الذي يُؤكل في العيد، من أشهر أطعمته، وكذلك عادة قضاء اليوم في الخارج مع العائلة والأصدقاء.
وشم النسيم نقطة بداية مفيدة لفهم مصر، لأنه يجمع عدة فترات من تاريخ البلد في عيد ربيعي عادي واحد. فالتقاليد المصرية القديمة والمسيحية والإسلام والحياة الوطنية المصرية الحديثة تظهر كلها في التقويم نفسه، من دون أن يكون العيد ملكًا لواحدة منها وحدها.
وهذا من الأمور اللافتة في الثقافة المصرية. فتاريخها ليس حضارة تختفي قبل أن تصل أخرى. فقد صارت التأثيرات اليونانية والرومانية والمسيحية والعربية والعثمانية والأوروبية كلها جزءًا من تاريخ البلد اللاحق، بينما هُجرت تقاليد مصرية أقدم أحيانًا، وتحوّلت أحيانًا، وانتقلت أحيانًا في أشكال جديدة.
من أين جاءت الثقافة
في هذا القسم
ومرّت مصر لاحقًا بحكم الفاطميين والمماليك والعثمانيين قبل أن تقع تحت الاحتلال البريطاني في القرن التاسع عشر.
تطورت الحضارة المصرية القديمة على امتداد النيل عبر آلاف السنين، ويُحدَّد توحيدها السياسي تقليديًا نحو عام 3100 قبل الميلاد. وأنتجت عمارة ضخمة، ونظامًا دينيًا معقّدًا يدور حول آلهة مثل رع وأوزيريس وإيزيس، وواحدًا من أقدم تقاليد الكتابة في العالم.
ولم يصبح كثير مما نعرفه عن مصر القديمة متاحًا للباحثين المعاصرين إلا بعد فكّ رموز الكتابة الهيروغليفية. فحجر رشيد، الذي اكتُشف عام 1799، حمل المرسوم نفسه بالهيروغليفية والديموطيقية واليونانية. وحقق توماس يونغ تقدمًا مهمًا في فهم الكتابة، بينما حققت أعمال جان فرانسوا شامبليون عام 1822 اختراقًا كبيرًا في فكّ الرموز.
وحكمت مصرَ سلسلةٌ من القوى الأجنبية، منها الآشوريون والفرس واليونانيون والرومان. لكن الحكم الأجنبي لم يعنِ اختفاء الممارسات والمؤسسات الدينية المصرية بين ليلة وضحاها. فالحكام البطالمة الذين خلفوا الإسكندر الأكبر مثلًا قدّموا أنفسهم في هيئات ملكية مصرية، ودعموا المعابد والتقاليد الدينية المصرية إلى جانب إرثهم اليوناني.
وترسّخت المسيحية بعمق في مصر خلال العصر الروماني. والتقليد القائل إن مرقس الإنجيلي حمل المسيحية إلى الإسكندرية في القرن الأول مهم في تاريخ المسيحيين الأقباط، وإن كان تقليدًا لا شيئًا يستطيع المؤرخون إثباته باليقين نفسه الذي تُثبت به تطورات لاحقة موثّقة.
وصارت مصر في النهاية من أهم مراكز المسيحية المبكرة. وأدت أديرتها، خاصة تلك المرتبطة بشخصيات مثل الأنبا أنطونيوس الكبير والأنبا باخوميوس، دورًا كبيرًا في تطور الرهبنة المسيحية.
ولكلمة قبطي أيضًا تاريخ لغوي طويل. فهي جاءت عبر صيغ عربية ويونانية مرتبطة بكلمة "مصري". ومع الوقت ضاق استعمالها وصارت تشير تحديدًا إلى المجتمع المسيحي في مصر. لذلك من المضلل القول إن "قبطي" وصفت في الأصل مجموعة عرقية قديمة منفصلة، فالكلمة الأقدم كان لها معنى أوسع مرتبط بكون المرء مصريًا.
وجلب الفتح العربي في القرن السابع الإسلام إلى مصر، لكن التحول إليه كان تدريجيًا. فمصر لم تصبح مسلمة مباشرة بعد الفتح. وعلى مدى القرون التالية صار الإسلام دين الأغلبية، بينما بقيت المجتمعات المسيحية، وخاصة المجتمع القبطي، جزءًا مهمًا من المجتمع المصري.
ومرّت مصر لاحقًا بحكم الفاطميين والمماليك والعثمانيين قبل أن تقع تحت الاحتلال البريطاني في القرن التاسع عشر. وأعلنت بريطانيا استقلال مصر عام 1922، وإن استمر النفوذ البريطاني في الشؤون المصرية بعد ذلك.
وأنهت ثورة 1952 الملكية وأوصلت حركة الضباط الأحرار إلى السلطة. ثم صارت رئاسة جمال عبد الناصر فترة حاسمة في التاريخ المصري الحديث، أدت فيها القومية العربية والتنمية الاقتصادية بقيادة الدولة والسياسة العربية الوحدوية أدوارًا مهمة.
ومن أكثر مشاريع تلك الفترة أثرًا السد العالي في أسوان. فقد أنشأ بناؤه بحيرة ناصر وأغرق مساحات واسعة من النوبة القديمة، مما أدى إلى تهجير مجتمعات نوبية وفقدان قرى وأراضٍ زراعية.
وفي الوقت نفسه أحدث السد أزمة تراثية دولية. فبين 1960 و1980 نسّقت اليونسكو حملة كبرى لإنقاذ الآثار المهددة بارتفاع المياه. وفُكّك معبد أبو سمبل ومعابد أخرى ونُقلت وأُعيد بناؤها فوق منسوب المياه المتوقع. وتصف اليونسكو الحملة بأنها جهد دولي أنقذ آثارًا كبرى من الغرق.
نجت المعابد. أما كثير من المجتمعات النوبية فاضطرت إلى إعادة بناء حياتها في مكان آخر.
المجموعات العرقية واللغات
في هذا القسم
فقد ساعدت صناعة السينما والتلفزيون المصرية على جعل هذه اللهجة مألوفة على نحو غير عادي في أنحاء العالم العربي.
تتعقد الهوية المصرية بسبب تاريخ البلد الطويل، ولأن الدين واللغة والجغرافيا والأصل لا تتطابق دائمًا بشكل مرتب.
فمعظم المصريين يعرّفون أنفسهم مصريين، بينما يضم البلد أيضًا مجتمعات لها هوياتها التاريخية والثقافية الخاصة. والنوبيون مهمون بشكل خاص لفهم جنوب مصر. فقد عاشت المجتمعات النوبية تاريخيًا على النيل في مناطق حول أسوان وجنوبًا نحو الحدود السودانية، وتشمل اللغات النوبية أنواعًا مثل النوبيين (الفاديجا) والكنزي الدنقلاوي.
وأدى بناء السد العالي وغرق القرى النوبية إلى تهجير كبير. وتذكر وثائق اليونسكو عن التراث النوبي غير المادي تحديدًا أن المجتمع هُجّر بعد بناء السد وغرق القرى.
وهذا التاريخ ما زال حاضرًا اليوم، لأن الثقافة النوبية ليست شيئًا محفوظًا في المتاحف فقط. فاللغة والموسيقى والعمارة والطعام والتقاليد العائلية ما زالت تُمارس، وإن غيّر التهجير أماكن عيش كثير من المجتمعات.
والعربية هي اللغة الرسمية للبلد، بينما العامية المصرية هي لغة الكلام اليومي المسموعة في معظم أنحائه. وقد سافرت العامية المصرية أيضًا بعيدًا عن حدود مصر.
فقد ساعدت صناعة السينما والتلفزيون المصرية على جعل هذه اللهجة مألوفة على نحو غير عادي في أنحاء العالم العربي. وتصف دار نشر معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا العامية المصرية بأنها أوسع اللهجات العربية فهمًا، وتربط هذه الألفة إلى حد كبير بتأثير التلفزيون والسينما المصريين في القرن العشرين.
أما القبطية فلها دور مختلف. فهي المرحلة التاريخية الأخيرة من اللغة المصرية القديمة، وتُكتب بأبجدية تقوم في معظمها على الأبجدية اليونانية مع حروف إضافية مأخوذة من تقاليد الكتابة المصرية الأقدم. ولم تعد لغة كلام يومي، لكنها ما زالت مستعملة في طقوس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
فمصر الحديثة إذن تضم عدة طبقات لغوية في وقت واحد: العربية في الحياة العامة اليومية، ولهجات إقليمية ولغات أقليات في مجتمعات مختلفة، والقبطية في الممارسة الدينية المسيحية.
الدين والمعتقد
في هذا القسم
فالتقويم الهجري يحدد الصيام والصلاة والأعياد الكبرى، بينما يتبع المسيحيون الأقباط تقويمهم الديني الخاص.
مصر ذات أغلبية مسلمة ساحقة، والإسلام السني هو دين الأغلبية. ويشكّل المسيحيون المصريون أقلية كبيرة، والكنيسة القبطية الأرثوذكسية هي أكبر مجتمع مسيحي في البلد. وتختلف التقديرات الدقيقة للأعداد بحسب المصدر، لذلك ينبغي التعامل مع النسب الدقيقة بحذر. وقد نقل تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن الحرية الدينية لعام 2023 تقديرات بنحو 90 في المئة من المسلمين السنّة و10 في المئة من المسيحيين، مع الإشارة إلى تقديرات مختلفة من مصادر أخرى.
والدين ظاهر في الحياة المصرية اليومية. فالتقويم الهجري يحدد الصيام والصلاة والأعياد الكبرى، بينما يتبع المسيحيون الأقباط تقويمهم الديني الخاص. ويُحتفل بعيد الميلاد القبطي في 7 يناير، ويتبع عيد القيامة القبطي الحساب الأرثوذكسي لا التقويم الغربي.
ولمصر أيضًا تقليد طويل من الممارسات الدينية الشعبية التي تعيش إلى جانب المؤسسات الدينية الرسمية. فالموالد مثلًا احتفالات مرتبطة بإحياء ذكرى الأولياء والشخصيات الدينية الإسلامية، وقد تشمل المواكب والموسيقى والطعام والأنوار وتجمعات كبيرة حول الأضرحة.
وبعض العادات المصرية يصعب أيضًا نسبته بدقة إلى فترة دينية واحدة. فقد تكون ممارسة ما اكتسبت معنى جديدًا بعد أن سادت المسيحية أو الإسلام من دون أن تحتفظ بالضرورة بمعناها القديم الأصلي. ولهذا ينبغي التعامل بحذر مع القول إن عادة مصرية حديثة بعينها "فرعونية" مباشرة، إلا إذا وُجد دليل تاريخي محدد على هذه الصلة.
والحذر نفسه ينطبق على فكرة الوئام الديني الكامل. فالمسلمون والمسيحيون يتشاركون جوانب كثيرة من الحياة العامة والعائلية في مصر، وعادات مثل شم النسيم تتجاوز الحدود الدينية. وفي الوقت نفسه عرفت مصر أيضًا تمييزًا وتوترًا وعنفًا طائفيًا. والجانبان معًا ينتميان إلى أي رواية صادقة عن البلد.
الطعام
في هذا القسم
وفي عام 2025 أدرجت اليونسكو الكشري، طبق الحياة اليومية والممارسات المرتبطة به في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.
الطعام من أسهل الطرق لرؤية كيف تطورت الثقافة المصرية عبر الزمن.
والكشري ربما أوضح مثال حديث. فالأرز والمعكرونة والعدس والحمص أو بقوليات أخرى والبصل المقلي وصلصة الطماطم تجتمع في طبق رخيص ومشبع ومتوفر في كل مكان. وفي عام 2025 أدرجت اليونسكو الكشري، طبق الحياة اليومية والممارسات المرتبطة به في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية. ويركّز وصف اليونسكو على مكوناته الرخيصة ومكانته في البيوت والمطاعم وثقافة طعام الشارع.
والفول المدمّس طعام أساسي يومي آخر، مرتبط خاصة بالإفطار الصباحي. يُصنع من الفول المطبوخ ويُقدَّم عادة مع الزيت والليمون والكمون والخبز. ولا شك أن المصريين القدماء أكلوا البقوليات، لكن من الصعب إثبات أن طبق الفول المدمّس الحديث لم يتغير عن وصفة قديمة. والأسلم وصفه بأنه جزء من تقليد مصري أطول بكثير في أكل الفول والبقوليات الأخرى.
والملوخية تُصنع من أوراق الملوخية المفرومة ناعمًا، وتُحضَّر عادة بالثوم والكزبرة وتُقدَّم مع الأرز، وغالبًا مع الدجاج أو الأرانب. وهناك حكايات تربط الطبق بحكام قدماء وطعام الملوك، لكن ينبغي التعامل معها على أنها تقاليد وأساطير طعام لا حقائق تاريخية ثابتة.
ثم هناك الفسيخ، وهو سمك البوري المملّح المخمّر المرتبط خاصة بشم النسيم. وهو جزء مهم من تقاليد طعام العيد، لكنه يحمل أيضًا خطرًا صحيًا حقيقيًا. فالسمك المخمّر غير المحضّر جيدًا قد يسبب التسمم الوشيقي، ولهذا حذّرت سلطات الصحة العامة مرارًا من الفسيخ في موسم العيد.
أما القطايف، وهي فطائر محشوة حلوة تُؤكل عادة في رمضان، فتنتمي إلى جزء آخر من تقويم الطعام الموسمي في مصر.
فالطعام في مصر إذن أكثر من مجرد غذاء. بعض الأطباق أساسية يومية، وبعضها ينتمي إلى مواسم دينية، وبعضها يحمل حكايات أصولها موثّقة جزئيًا ومحفوظة جزئيًا عبر التقاليد العائلية.
الموسيقى والرقص والفن
في هذا القسم
ومؤخرًا خرجت المهرجانات من مشهد الموسيقى الإلكترونية المصرية وصارت جزءًا مهمًا من ثقافة الشباب المعاصرة.
يظهر التأثير الثقافي لمصر في العالم العربي بوضوح خاص في السينما والموسيقى.
فبحلول الأربعينيات كانت مصر قد طوّرت صناعة سينما كبرى باللغة العربية جذبت نجومها وإنتاجاتها الجماهير في أنحاء العالم العربي. ويصف كتاب دليل أكسفورد للتاريخ المصري الحديث نظام الاستوديوهات المصري بأنه "هوليوود على النيل"، ويذكر أنه جذب مشاهدين وطامحين إلى النجومية من أنحاء المنطقة.
وامتد هذا التأثير إلى ما وراء السينما. فقد صارت مطربات مثل أم كلثوم شخصيات ثقافية كبرى في العالم الناطق بالعربية. وسافر صوتها عبر الإذاعة إلى جماهير بعيدة عن مصر، وما زالت موسيقاها جزءًا من الذاكرة الثقافية للمنطقة.
والموسيقى المصرية نفسها تضم تقاليد كثيرة. فالموسيقى العربية الكلاسيكية تستعمل قوالب وآلات مشتركة في العالم العربي الأوسع، منها العود والقانون والناي، بينما طوّرت الموسيقى الشعبية والدينية المصرية أساليبها المحلية الخاصة.
وتطور الرقص الشرقي، وهو الشكل المصري لما يُسمّى عادة "رقص البطن"، أيضًا إلى أسلوب مسرحي حديث عبر صناعة الترفيه المصرية، خاصة ثقافة الملاهي الليلية والسينما في القاهرة. ولا ينبغي الخلط بين ذلك وفكرة أن مصر اخترعت كل أشكال الرقص المرتبطة بمصطلح "رقص البطن" الأوسع، فقد وُجدت أشكال مختلفة في المنطقة وخارجها.
والتنورة تقليد أداء مصري لافت آخر. فتنانيرها الدوّارة وحركتها المتكررة مرتبطة بالتقاليد الصوفية والدينية الشعبية، وإن كانت العروض المعاصرة قد تُقدَّم أيضًا ترفيهًا ثقافيًا.
ولم تتوقف الموسيقى الشعبية المصرية عند عصر أم كلثوم.
فقد تطور الشعبي نوعًا شعبيًا كبيرًا مرتبطًا بحياة الطبقة العاملة في المدن. ومؤخرًا خرجت المهرجانات من مشهد الموسيقى الإلكترونية المصرية وصارت جزءًا مهمًا من ثقافة الشباب المعاصرة. وصوتها مختلف جدًا عن الموسيقى الأوركسترالية المرتبطة بنجوم مصر في القرن العشرين، لكن النمط العام مألوف: يواصل الموسيقيون المصريون أخذ التأثيرات من محيطهم وتحويلها إلى شيء يحمل بصمتهم بوضوح.
الملابس والأقمشة ومن يواصلون صنعها
في هذا القسم
وهي ثوب طويل فضفاض يلبسه الرجال، وتلبسه النساء بأشكال مختلفة، خاصة في الأرياف وبين الأجيال الأكبر سنًا.
تختلف الملابس المصرية الحديثة اختلافًا كبيرًا بحسب مكان العيش والعمر والمهنة والممارسة الدينية والذوق الشخصي.
وما زالت الجلابية من أشهر الأزياء التقليدية في البلد. وهي ثوب طويل فضفاض يلبسه الرجال، وتلبسه النساء بأشكال مختلفة، خاصة في الأرياف وبين الأجيال الأكبر سنًا. ولا ينبغي تقديمها على أنها ثوب لم يتغير منذ مصر القديمة، فالجلابية الحديثة تنتمي إلى تاريخ لاحق بكثير من اللباس المصري، وتطورت إلى جانب تقاليد اللباس الإقليمية الأوسع.
وترتدي الحجاب نساء مصريات مسلمات كثيرات، وإن كانت طريقة ارتدائه، بل ارتداؤه أصلًا، تختلف بين الأجيال والمجتمعات والاختيارات الفردية.
والملابس جزء واحد فقط من ثقافة النسيج في مصر. فما زالت القاهرة التاريخية تضم ورشًا تمارس حِرفًا تقليدية منها النحاس ونفخ الزجاج والجلود والخط العربي والخيامية، وهي تقليد زخرفي في التطريز بالقطع المضافة يرتبط بصناعة الخيام. ووثّقت اليونسكو ثلاثين حرفة تقليدية في القاهرة التاريخية، ووصفت جهود نقل هذه المهارات عبر التلمذة.
والقاهرة التاريخية نفسها موقع تراث عالمي لليونسكو، وهو ما يعكس عمق التراث المعماري والحرفي للمدينة.
ويبقى البردي أيضًا مرتبطًا بقوة بمصر، خاصة عبر الأسواق السياحية والإنتاج الحرفي. فقد كان النبات مادة كتابة مهمة في مصر القديمة، وكلمة "paper" الإنجليزية تأتي في النهاية من الكلمة اليونانية papyros. لكن منتجات البردي الحديثة لا ينبغي اعتبارها تلقائيًا دليلًا على أن تقنية إنتاج قديمة بقيت دون تغيير آلاف السنين.
الأعياد التي تنظّم السنة
يغيّر رمضان إيقاع الحياة المصرية كل عام. ففي هذا الشهر القمري يصوم المسلمون الملتزمون من الفجر إلى المغرب قبل أن يفطروا. وتجتمع العائلات، وتزدحم الشوارع أكثر في المساء، ويبقى الفانوس التقليدي مرتبطًا بقوة بثقافة رمضان في مصر.
ويأتي عيد الفطر بعد رمضان بتقاليده الخاصة من زيارات عائلية وطعام وملابس جديدة واحتفال.
وبالنسبة للمجتمع القبطي المسيحي في مصر، يشكّل عيد الميلاد وعيد القيامة ركيزتي التقويم المسيحي. وتضيف الموالد طبقة أخرى من الاحتفال الديني الشعبي، مع تجمعات حول الأضرحة كثيرًا ما تمزج التعبد بالطعام والموسيقى والأنوار والنشاط الاجتماعي.
ثم هناك شم النسيم.
لقد تغيّر شكله الحديث عبر القرون، لكن الحكومة المصرية تعيد الاحتفال به إلى أكثر من 4,500 عام وتحدد جذوره في تقاليد الربيع والحصاد في مصر القديمة. واليوم يُحتفل به عبر المجتمعات الدينية، ويمنح الطعام والتجمعات في الهواء الطلق اليوم طابعًا مصريًا واضحًا.
وهو مثال جيد على كيف تعمل الاستمرارية الثقافية فعلًا. فالتقاليد لا تبقى دائمًا بالشكل نفسه تمامًا. أحيانًا تبقى لأن الناس يواصلون ممارستها بينما تتغير معانيها.
كلمة واحدة تروي قصة أكبر
كلمة قبطي مثال جيد.
فاليوم حين يقول الناس "قبطي" يقصدون عمومًا مصريًا مسيحيًا، خاصة من أتباع التقليد المسيحي القبطي. لكن الكلمة لم تبدأ بهذا المعنى الضيق.
فتاريخها يمر بصيغ يونانية وعربية لكلمة "مصري". فالكلمة اليونانية Aigyptios كانت تعني المصري، بينما تطورت صيغ عربية لاحقة إلى "قبط" وكلمات مرتبطة بها أعطتنا في النهاية "قبطي". ومع الوقت صارت الكلمة مرتبطة تحديدًا بالسكان المسيحيين في مصر.
ولا يعني ذلك أن كل مصري قديم ينبغي أن يُسمّى ببساطة "قبطيًا" بالمعنى الحديث. بل يعني أن تاريخ الكلمة نفسه يعكس فترة لم يكن فيها "مصري" و"مصري مسيحي" فئة لغوية واحدة بعد.
وهذا التغير الصغير في كلمة يعكس شيئًا أكبر بكثير في التاريخ المصري: الهويات تكتسب معاني جديدة كلما تغيرت المجتمعات.
مصر ما زالت تصنع ثقافتها
في هذا القسم
وبعضها يبقى عبر ذاكرة العائلة أو الممارسة الدينية أو العادة المحلية، حيث يصعب كثيرًا تحديد البداية الدقيقة.
من المغري الحديث عن الثقافة المصرية كأنها تنتمي أساسًا إلى الماضي: الأهرامات والمعابد والهيروغليفية والمومياوات والفراعنة.
لكن كثيرًا مما يجعل مصر لافتة ثقافيًا يحدث بعيدًا عن الآثار.
ففي كل عام ما زال الناس يحضّرون الكشري، ويجتمعون في رمضان، ويحضرون الموالد، ويحتفلون بشم النسيم، ويتكلمون العامية المصرية، ويصلّون في الكنائس القبطية، ويصنعون الأقمشة، ويعزفون الموسيقى، وينقلون التقاليد العائلية إلى الأطفال.
وفي أسوان تواصل المجتمعات النوبية العمل على حفظ اللغات والموسيقى والعمارة وأشكال أخرى من التراث الثقافي شكّلها تاريخ يشمل التهجير الذي سببه السد العالي. وقد دعمت اليونسكو تحديدًا توثيق التراث النوبي غير المادي وصونه.
وتواصل السينما والموسيقى المصريتان السفر أيضًا. فالصناعة لم تعد تحتل المكانة نفسها تمامًا التي احتلتها في القرن العشرين، لكن الأفلام والثقافة الشعبية المصرية ما زالت مهمة في أنحاء العالم الناطق بالعربية.
وربما تكون هذه أنفع طريقة لفهم مصر.
فثقافتها ليست عرضًا متحفيًا بقي فيه كل شيء على حاله منذ العصور القديمة، بل مجموعة حية من أشياء غُيّرت وأُعيدت تسميتها وكُيّفت وهُجرت وأُحييت ونُقلت إلى الأمام.
بعض التقاليد يمكن تتبّعه بثقة إلى فترات تاريخية بعينها. وبعضها يبقى عبر ذاكرة العائلة أو الممارسة الدينية أو العادة المحلية، حيث يصعب كثيرًا تحديد البداية الدقيقة.
وفي الحالتين، ما زالت ثقافة مصر تُصنع.
فالذين يأكلون الكشري اليوم، ويتكلمون العامية المصرية، ويحتفلون بشم النسيم، ويستمعون إلى الموسيقى في القاهرة، وينسجون الأقمشة في صعيد مصر، أو يحافظون على التقاليد النوبية، لا يكررون التاريخ فقط.