بحلول عام 2050، ستضم أفريقيا إحدى أضخم القوى العاملة في العالم، لكن النمو السكاني بمفرده لن يحدد مصيرها الاقتصادي. استكشف كيف تصوغ الإنتاجية والتحضر والتجارة والتحول الرقمي الفصل القادم للقارة.
بين الحين والآخر، يطالعنا عنوان رئيسي يتوقع أن أفريقيا ستصوغ ملامح الاقتصاد العالمي في العقود القادمة. والأسباب المطروحة هي ذاتها دائماً: تمتلك أفريقيا أصغر سكان العالم سناً، ومدنها تنمو بوتيرة متسارعة، وتكنولوجيا الهواتف الذكية تنتشر في كل زاوية، ومنطقة تجارة حرة على مستوى القارة بأكملها بدأت تأخذ مجراها الفعلي.
تلك كلها تطورات بالغة الأهمية. لكنها تُقدم في كثير من الأحيان كما لو كانت تقود تلقائياً وبصورة حتمية إلى النمو الاقتصادي، وهو أمر غير صحيح.
فالزيادة في عدد السكان لا تضمن تلقائياً اقتصاداً أكبر، وتكاثر المدن لا يصنع الثروة آلياً، والوصول الأفضل إلى الإنترنت لا يولد بالضرورة وظائف أفضل. وحتى اتفاقية التجارة الحرة تعجز عن إحداث تحول في الاقتصاد إذا كانت الشركات لا تزال تكافح لنقل السلع، أو تعجز عن الاستثمار بثقة، أو تجد صعوبة في العثور على عمالة ماهرة.
وهناك سؤال أعمق لم نطرحه بعد ولم نحاسب أنفسنا عليه بوضوح:
ما الذي يجب أن يحدث عملياً حتى يبدو اقتصاد أفريقيا مختلفاً جذرياً بحلول عام 2050؟
للإجابة عن هذا السؤال بدقة، نحتاج إلى فهم كيفية خلق الاقتصادات للقيمة. السكان والمدن والتجارة والتكنولوجيا عناصر مهمة جميعها، لكنها تكتسب أهميتها لأنها تؤثر على مقياس أساسي واحد يكمن تحت السطح: الإنتاجية.
يستخدم الاقتصاديون هذا المصطلح لوصف مقدار القيمة الاقتصادية التي ينتجها كل عامل. ولا تصبح الدول أكثر ثراءً بمرور الوقت لمجرد أن عدداً أكبر من الناس بات يعمل، بل لأن كل عامل أصبح قادراً على إنتاج المزيد من السلع، أو تقديم خدمات أرقى، أو حل مشكلات أكثر تعقيداً من ذي قبل.
وإذا نظرنا للأمر من هذه الزاوية، فإن أهم الحوارات حول مستقبل أفريقيا ستكتسب مساراً أكثر نضجاً ووضوحاً:
النمو السكاني يحدد عدد الأفراد القادرين على العمل.
والتحضر يصوغ الأماكن التي يعيشون فيها ويمارسون أعمالهم داخلها.
والتجارة تؤثر على حجم الأسواق التي يمكنهم خدمتها.
والتكنولوجيا الرقمية تغير مدى كفاءة أدائهم للعمل.
لا يخلق أي من هذه العوامل الثروة بمفرده؛ لكنها مجتمعة تقرر ما إذا كانت إنتاجية الدولة والشعب والشباب سترتفع أم ستتراجع. وبحلول عام 2050، ستكون أفريقيا بكل تأكيد واحدة من أهم المناطق الاقتصادية في العالم من حيث حجم القوة العاملة؛ أما ما إذا كانت ستصبح أيضاً واحدة من أكثر مناطق العالم إنتاجية، فذلك سؤال مختلف تماماً.
وفهم هذا الفارق هو هدفنا اليوم.
قارة تضم عمالاً أكثر من أي وقت مضى
في هذا القسم
في كل عام، يدخل ما يقدر بنحو 10 إلى 12 مليون شاب أفريقي إلى سوق العمل، ومع ذلك لا يُخلق سوى نحو ثلاثة ملايين وظيفة رسمية جديدة بأجر منتظم عبر القارة بأكملها.
أحد الاتجاهات التي تصوغ مستقبل أفريقيا هو أيضاً أحد أسهلها قياساً: من المتوقع أن ينمو عدد السكان في سن العمل في القارة بسرعة فائقة خلال العقود القليلة القادمة. ووفقاً للبنك الدولي، من المتوقع أن تضيف أفريقيا جنوب الصحراء وحدها أكثر من 620 مليون شخص في سن العمل بحلول عام 2050، وهي أكبر زيادة تُسجل في أي منطقة في العالم. وفي حين تستعد العديد من البلدان في أوروبا وشرق آسيا لشيخوخة السكان وتقلص القوى العاملة، ستشهد معظم أرجاء أفريقيا العكس تماماً. وهذا ما يُوصف عادة بـ العائد الديمغرافي.
الفكرة بسيطة: عندما تمتلك الدولة نسبة أكبر من السكان في سن العمل، ونسبة أقل من المعالين، يمتلك اقتصادها الإمكانية الكامنة للنمو بسرعة أكبر؛ إذ يستطيع عدد أكبر من الناس كسب الدخل، وإنتاج السلع والخدمات، وسداد الضرائب، ودعم الاستثمار.
لكن الكلمة المفتاحية هنا هي الإمكانية الكامنة.
فالثروة داخل الدولة لا تنشأ من النمو السكاني بمفرده، بل توجد فقط إذا تمكن هؤلاء العمال الإضافيون من العثور على عمل منتج. وهنا يصبح الحوار أكثر جدية وإثارة للاهتمام.
في كل عام، يدخل ما يقدر بنحو 10 إلى 12 مليون شاب أفريقي إلى سوق العمل، ومع ذلك لا يُخلق سوى نحو ثلاثة ملايين وظيفة رسمية جديدة بأجر منتظم عبر القارة بأكملها. وهذه الفجوة لا تعني أن بقية العمال لا يفعلون شيئاً؛ فمعظمهم يجد عملاً في الزراعة، أو التجارة غير الرسمية، أو النقل، أو البناء، أو الأنشطة العائلية الصغيرة. وتوفر هذه الأنشطة سبل العيش لملايين الناس، لكنها تولد دخولاً أقل وأقل استقراراً أو قابلية للتنبؤ مقارنة بالتوظيف الرسمي.
وبالتالي، فإن التحدي لا يكمن في مجرد خلق الوظائف، بل في خلق وظائف تسمح للعمال بأن يصبحوا أكثر إنتاجية بمرور الوقت.
تخيل بلدين يمتلكان العدد ذاته من العمال: الأول يتمتع بكهرباء موثوقة، وشبكات نقل فعالة، ونفاذ للتمويل، وشركات تستثمر في المعدات الحديثة؛ بينما يعاني الآخر من انقطاع الكهرباء، والطرق المتهالكة، وشح رأس المال. حتى لو كان البلدان متطابقين في عدد السكان، فإن الأول سينتج حتماً قيمة اقتصادية أكبر بكثير لأن كل عامل يمتلك أدوات وظروف عمل أفضل.
ولهذا السبب ينظر الاقتصاديون عادة إلى النمو بوصفه مزيجاً من ثلاثة عناصر:
العمل،
والاستثمار،
والإنتاجية.
فالقوة العاملة المتنامية تزيد من الطاقة الاستيعابية للاقتصاد، لكن الاستثمار والإنتاجية هما اللذان يحددان مقدار ما يُستغل من تلك الطاقة ليتحول إلى أرباح وازدهار.
لذلك يجب النظر إلى القوة العاملة المتوسعة في أفريقيا كمدخل اقتصادي (input) وليس كنتيجة اقتصادية (outcome). إنها ترفع سقف إمكانات القارة؛ أما ما إذا كانت تلك الإمكانات ستترجم إلى دخول أعلى، فيعتمد على كل ما يُبنى حول هؤلاء العمال، بما في ذلك التعليم، والبنية التحتية، والنفاذ إلى التمويل، والاستثمار التجاري، وجودة المؤسسات العامة.
كما أن هيكل التوظيف بالغ الأهمية:
وفقاً لمنظمة العمل الدولية، فإن نحو 83 بالمائة من العمالة في أفريقيا هي عمالة غير رسمية، وترتفع النسبة إلى نحو 85 بالمائة في أفريقيا جنوب الصحراء. وتؤدي المشروعات غير الرسمية دوراً حيوياً في دعم المعيشة اليومية، خاصة مع محدودية فرص التوظيف الرسمي؛ لكنها في الغالب أصغر حجماً وأقل قدرة على الحصول على الائتمان أو الاستثمار في التوسع.
ومع تطور الاقتصادات، ترتفع الإنتاجية عادة ليس باختفاء العمل غير الرسمي فجأة، بل بانتقال المزيد من العمال إلى شركات قادرة على النمو والاستثمار والمنافسة بفعالية. وهذا التحول هو ما يتيح للأجور أن ترتفع، وللإيرادات الضريبية أن تتوسع، وللشركات أن تعيد استثمار أرباحها في النمو المستقبلي.
وعند النظر للأمر من هذا المنظور، ندرك أن القوة العاملة المتنامية في أفريقيا ليست ضمانة اقتصادية مطلقة ولا هي معضلة كارثية؛ إنها ببساطة جزء واحد من معادلة أوسع بكثير. والنمو السكاني بمفرده لا يغير سوى القليل؛ فما يهم هو ما إذا كان كل عامل جديد قادراً على خلق قيمة أكبر ممن سبقه.
أين سيعيش أولئك العمال ولماذا يكتسب ذلك أهمية قصوى؟
في هذا القسم
وتجعل هذه الاستثمارات بدورها المدينة أكثر جاذبية للشركات، مما يخلق دورة حميدة يعزز فيها النشاط الاقتصادي نفسه بنفسه.
تخبرنا القوة العاملة المتنامية بعدد الأشخاص الذين يمكنهم الإسهام في الاقتصاد، لكنها لا تخبرنا أين سيتم هذا العمل. وهنا يبرز التحضر كعنصر حاسم.
من المتوقع أن تصبح أفريقيا أكثر تحضراً بكثير خلال العقود القادمة؛ ووفقاً لتوقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، يمكن لعدد سكان المدن في القارة أن يتضاعف تقريباً، ليرتفع من نحو 700 مليون نسمة اليوم إلى حوالي 1.4 مليار نسمة بحلول عام 2050. وبحلول ذلك الوقت، يُتوقع أن يعيش نحو ستة من كل عشرة أفارقة في البلدات والمدن.
وكثيراً ما يُستخدم هذا التحول كدليل قاطع على الصعود الاقتصادي لأفريقيا؛ لكن التحضر، تماماً مثل النمو السكاني، ليس ذا قيمة بمفرده، بل تكمن قيمته الاقتصادية فيما تتيحه المدن وتجعله ممكناً.
إن عيش الناس في تقارب مكاني يغير طريقة عمل الاقتصادات جذرياً:
فالمزارع في مجتمع ريفي قد يقطع مسافات طويلة للوصول إلى العملاء أو الموردين أو الخدمات المالية؛ بينما تستطيع الشركة في المدينة الوصول إلى هؤلاء الثلاثة جميعاً في نطاق بضعة كيلومترات. فتنخفض تكاليف النقل، وتستطيع الشركات خدمة أسواق أوسع، وتتاح للعمال خيارات وظيفية أكبر، وتستطيع الشركات التخصص الدقيق لوجود عدد كافٍ من العملاء لدعم المنتجات والخدمات المتخصصة.
يسمي الاقتصاديون هذه الظاهرة بـ وفورات التجمع (Agglomeration Effects)؛ فعندما يتجمع الناس والشركات معاً، يصبحون عادة أكثر إنتاجية.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل أكبر اقتصادات العالم شديدة التحضر؛ فالمدن تركز المهارات والاستثمارات والبنية التحتية والأفكار بطرق يصعب تحقيقها عندما يكون السكان مشتتين جغرافياً. وتمتد هذه الفوائد إلى ما هو أبعد من الشركات الفردية:
فالمدينة التي تضم ملايين السكان تستطيع تبرير الاستثمارات الكبرى في المطارات، والموانئ، وشبكات السكك الحديدية، والألياف الضوئية، والنقل العام، لأن هناك عدداً كافياً من المستخدمين لإنجاحها اقتصادياً. كما يصبح من الأسهل استدامة الجامعات والمستشفيات ومراكز الأبحاث والمؤسسات المالية عندما يتوفر مجتمع سكاني ضخم بالجوار.
وتجعل هذه الاستثمارات بدورها المدينة أكثر جاذبية للشركات، مما يخلق دورة حميدة يعزز فيها النشاط الاقتصادي نفسه بنفسه. لكن هذا لا يعني أن كل مدينة متنامية تصبح بالضرورة أكثر إنتاجية.
فالتحضر يخلق الفرص، ولكنه يولد الضغوط أيضاً:
يجب أن يواكب قطاع الإسكان وتيرة النمو السكاني، ويجب أن تستوعب الطرق أعداداً أكبر من المركبات، وتتطلب شبكات المياه والكهرباء وإدارة النفايات استثمارات متواصلة. وإذا توسعت البنية التحتية بوتيرة أبطأ من السكان، يزداد الازدحام الخانق، ويصبح النقل غير موثوق، وتواجه الشركات تكاليف تشغيل باهظة.
وبعبارة أخرى، يمكن للمدن أن تصبح محركات للإنتاجية أو مراكز للهدر وضعف الكفاءة؛ والفيصل بين المسارين يعود للتخطيط والاستثمار وليس لحجم السكان.
وتشير أبحاث منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الأراضي الحضرية في أفريقيا تتوسع بوتيرة أسرع من نمو سكان المدن أنفسهم؛ فبدلاً من أن تصبح المدن أكثر كثافة وتنظيماً، فإنها تتمدد أفقياً بصورة مفرطة (Urban Sprawl). وهذا النمط يجعل توفير الطرق والكهرباء والمياه والنقل العام أكثر كلفة لأن البنية التحتية يجب أن تغطي مساحات شاسعة لتخدم عدداً أقل نسبياً من السكان.
وبالنسبة للشركات، فهذه تكاليف حقيقية وملموسة وليست مجرد افتراضات: إذ تقضي شركات التوصيل وقتاً أطول للوصول للعملاء، ويدفع المصنعون مبالغ أكبر لنقل البضائع، ويقضي العمال ساعات أطول في التنقل المنهك بدلاً من الإنتاج، وتضطر الحكومات لتشتيت ميزانياتها المحدودة على مساحات شاسعة بدلاً من تحسين الخدمات في الأحياء القائمة.
والنتيجة؟ تصبح المدن أكبر حجماً دون أن تصبح بالضرورة أكثر إنتاجية.
ولهذا لا ينبغي قياس التحضر بعدد قاطني المدن فقط؛ بل السؤال الأهم هو ما إذا كانت المدن تجعل خلق القيمة أسهل للناس والشركات. وهذا السؤال ينبغي أن يغير نظرتنا للتوظيف:
فمع نمو المدن، تصبح اقتصاداتها أكثر تنوعاً؛ فقد يتوسع التصنيع، وتزدهر قطاعات كاللوجستيات، والتمويل، والرعاية الصحية، والسياحة، والتعليم، وتطوير البرمجيات، وخدمات الأعمال، والطاقة المتجددة. وستطور بلدان مختلفة نقاط قوة متباينة بناءً على مواردها ومؤسساتها ومناخها الاستثماري.
وما تشترك فيه هذه الصناعات ليس طبيعة المنتجات التي تصنعها، بل اعتمادها المشترك على عمال يمتلكون المهارات المناسبة، وشركات مستعدة للاستثمار، وبنية تحتية تتيح لها العمل بكفاءة.
وبذلك يصبح التعليم جزءاً لا يتجزأ من مسار التحضر:
إن إلحاق المزيد من الأطفال بالمدارس إنجاز رائع، لكن القيد لا ينتهي عند التسجيل في الفصول؛ فالنمو الاقتصادي يعتمد على ما يتعلمه الطلاب وما إذا كانت تلك المهارات تواكب احتياجات الصناعات الصاعدة. فالقوة العاملة الحضرية الأكبر لا تخلق الفرص إلا إذا وجدت الشركات موظفين يمتلكون المعرفة والمهارات الفنية التي تحتاجها.
وبحلول عام 2050، ستكون مدن أفريقيا أكبر بكثير مما هي عليه اليوم دون أدنى شك؛ أما ما إذا كانت ستصبح مراكز للابتكار والتصنيع والخدمات وريادة الأعمال، أو أماكن تكافح فيها البنية التحتية لملاحقة الطلب، فسيعتمد بدرجة أقل على سرعة نموها، وبدرجة أكبر على مدى حكمة إدارة هذا النمو.
النمو السكاني يزيد عدد القادرين على العمل.
والتحضر يشكل البيئة التي يجري فيها ذلك العمل.
والسؤال التالي: هل سيتمكن أولئك العمال وتلك الشركات من خدمة أسواق تتجاوز حدود مدنهم وبلدانهم؟ وهنا تبدأ التجارة في أداء دورها المحوري.
التجارة داخل أفريقيا أوسع بكثير من مجرد خفض التعريفات الجمركية
في هذا القسم
وتلك العلاقة بين اتساع حجم السوق والاستثمار هي التي صاغت مسار التنمية في معظم الاقتصادات الناجحة حول العالم.
مع نمو مدن أفريقيا، تكتسب الشركات إمكانية الوصول إلى أسواق محلية أكبر. والخطوة التالية هي تسهيل وصول تلك الشركات إلى العملاء خارج حدودها الوطنية. وتلك هي الفكرة الجوهرية لمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA).
عند اكتمال تطبيقها، ستربط الاتفاقية 54 دولة، وسوقاً يضم أكثر من 1.3 مليار نسمة، وناتجاً محلياً إجمالياً مجمعاً يقارب 3.4 تريليون دولار أمريكي، مما يجعلها أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد الدول المشاركة.
وهذه الأرقام مبهرة، لكنها لا تفسر بمفردها أهمية الاتفاقية الاقتصادية:
يسمع معظم الناس عبارة "اتفاقية تجارة حرة" فيتبادر إلى أذهانهم فوراً خفض الرسوم والتعريفات الجمركية. وهو افتراض منطقي لأن التعريفات الجمركية كانت تاريخياً أحد أكبر العوائق أمام التجارة الدولية.
ولكن في أفريقيا، لا تشكل الرسوم الجمركية سوى جزء يسير من المشهد؛ فبالنسبة للعديد من الشركات، لم يكن التحدي الأكبر يوماً هو الضريبة المدفوعة عند الحدود، بل كل ما يحدث قبل تلك النقطة وبعدها.
فالشحنة المسافرة بين دولتين متجاورتين قد تواجه تأخيرات تمتد لأيام وأسابيع عند المعابر الحدودية، وتتعامل الشركات مع إجراءات جمركية متباينة، ومعايير ومواصفات قياسية منفصلة، وأوراق بيروقراطية معقدة، وأنظمة رقابية لا يعترف بعضها ببعض بسهولة. وكل تأخير يرفع التكلفة، وكل وثيقة إضافية تستهلك وقتاً، وكل حالة عدم يقين تجعل التجارة أكثر مشقة.
وتُعرف هذه العراقيل بـ الحواجز غير الجمركية (Non-Tariff Barriers)، وغالباً ما تكون أكثر كلفة وإرهاقاً بكثير من التعريفات الجمركية ذاتها.
تخيل مصنعاً للأغذية المحفوظة في غانا يريد البيع في ساحل العاج، أو شركة أدوية في كينيا تسعى لتوريد المستلزمات لمستشفيات أوغندا: حتى لو كانت الرسوم الجمركية منخفضة للغاية، فإن التعطيل عند المعابر، والتفتيش المتكرر، والقواعد المتضاربة قد تجعل التجارة الإقليمية أبطأ وأكثر كلفة من الاستيراد من قارة أخرى!
وهذا أحد الأسباب التي جعلت التجارة البينية الأفريقية تظل تاريخياً منخفضة للغاية مقارنة بالمناطق الأخرى.
ووفقاً للبنك الدولي، من المتوقع أن تأتي أكبر المكاسب الاقتصادية لاتفاقية AfCFTA ليس من مجرد خفض التعريفات، بل من تسهيل وتيسير حركة التجارة عملياً.
وقدر تحليله لعام 2020 أن التنفيذ الكامل للاتفاقية يمكن أن يرفع الدخل الإقليمي بنحو 7 بالمائة، ما يعادل نحو 450 مليار دولار بحلول عام 2035، ويسهم في انتشال ما يقرب من 30 مليون شخص من الفقر المدقع. والأهم من ذلك أن الدراسة وجدت أن ما يقرب من ثلثي تلك المكاسب المتوقعة سينبع من تحسين تيسير التجارة — بما في ذلك تسريع الإجراءات الجمركية، وتبسيط اللوائح، وخفض التكاليف الإدارية — وليس من خفض التعريفات الجمركية بمفرده.
وهذه النتيجة تغير الطريقة التي ينبغي أن تُفهم بها الاتفاقية:
فالاتفاقية لا تهدف فقط إلى السماح للبضائع بعبور الحدود بتكلفة أقل، بل تهدف إلى إزالة الاحتكاك والتعقيد الذي يمنع الشركات من التوسع عبر القارة.
وتتجاوز آثار خفض تكاليف التجارة حدود الشركات المصدرة؛ فعندما تتمكن الشركات من خدمة أسواق أكبر، يتوفر لديها رأس مال أكبر للاستثمار في المعدات الحديثة، وتحسين خطوط الإنتاج، وتوظيف المزيد من العمال. والأسواق الكبرى تشجع المنافسة أيضاً، مما يقود إلى منتجات أفضل وأسعار أكثر عدالة وابتكار مستمر.
فالشركة التي تخدم مدينة واحدة فقط يظل أفق نموها محدوداً؛ بينما تستطيع الشركة التي تصل بثقة إلى عملاء في عدة دول تبرير استثمارات رأسمالية أضخم بكثير.
وتلك العلاقة بين اتساع حجم السوق والاستثمار هي التي صاغت مسار التنمية في معظم الاقتصادات الناجحة حول العالم. وهي أيضاً سبب أهمية التجارة للإنتاجية: فإذا استطاعت الشركات البيع لجمهور أوسع دون تأخير غير مبرر أو أعباء إدارية باهظة، فمن المرجح أن توسع إنتاجها، وتتبنى تقنيات أرقى، وتوظف كفاءات متخصصة. وتلك التحسينات تتيح لكل عامل إنتاج قيمة مضافة أكبر، وهو ما يدفع عجلة النمو الاقتصادي طويل الأجل في نهاية المطاف.
تضع الاتفاقيات التجارية القواعد، لكن القواعد وحدها لا تنقل البضائع عبر الحدود؛ ونجاحها رهن بالتنفيذ: فالأنظمة الجمركية يجب أن تصبح أكثر كفاءة، والجهات الرقابية الحدودية يجب أن تتعاون، ومواصفات السلع يجب أن يُعترف بها بصورة متبادلة، وبنية النقل التحتية يجب أن تواصل تطورها، وتحتاج الشركات إلى النفاذ للبيانات والتمويل لاقتناص الفرص الجديدة.
وبعبارة أخرى، فإن توقيع الاتفاقية ليس سوى نقطة الانطلاق؛ أما المقياس الحقيقي للنجاح فسيتجلى في سهولة بيع رائد أعمال في كيغالي لعملائه في لاغوس، أو استيراد مصنع في مصر لمعداته من كينيا، أو توسع شركة تقنية نيجيرية نحو الجنوب الأفريقي دون عراقيل تعترض طريقها عند كل خطوة.
التجارة لا تخلق القيمة لمجرد عبور السلع للحدود؛ بل تخلق القيمة عندما تستطيع الشركات النفاذ إلى أسواق أكبر، والاستثمار بثقة، ومضاعفة إنتاجيتها نتيجة لذلك.
والمبدأ ذاته يفسر حقيقة أخرى تصوغ ملامح الاقتصاد الأفريقي: على مدار العقدين الماضيين، خفضت التكنولوجيا الرقمية تكلفة التواصل والدفع وإدارة الأعمال باطراد. ومثل التجارة، لا تكمن أعظم مساهماتها في التكنولوجيا ذاتها، بل في الكيفية التي تتيح بها للناس والشركات العمل بكفاءة أعلى.
وهنا يبدأ الاقتصاد الرقمي لأفريقيا في أخذ موقعه الطبيعي داخل السياق.
الاقتصاد الرقمي لأفريقيا ينمو بسرعة.. وقيمته الحقيقية تكمن في مكان آخر
في هذا القسم
فالبنية الرقمية تجعل النشاط القائم أكثر كفاءة، لكنها لا تغني عن القواعد والأساسات المادية التي تُبنى عليها الاقتصادات.
غالباً ما تركز النقاشات حول الاقتصاد الرقمي لأفريقيا على الشركات الناشئة، أو التقييمات المليارية، أو موجات الابتكار التالية. وتلك قصص مهمة، لكنها قد تعطي انطباعاً مضللاً بأن التكنولوجيا تحدث تحولاً شاملاً بمعزل عن بقية الاقتصاد.
أما الصورة الأوسع فهي أكثر عملية: تخلق التكنولوجيا الرقمية قيمة اقتصادية حقيقية عندما تجعل الأنشطة الاقتصادية اليومية أسرع وأرخص وأكثر موثوقية. فالشركة التي تستطيع استلام مدفوعاتها لحظياً، والتواصل مع الموردين بسلاسة، والوصول إلى العملاء عبر الإنترنت تصبح أكثر إنتاجية، حتى لو لم تصنف نفسها كشركة تقنية على الإطلاق.
بهذا المعنى، لا يتمحور الاقتصاد الرقمي لأفريقيا حول قطاع التكنولوجيا كصناعة منعزلة، بل حول ما تتيحه التكنولوجيا للقطاعات الأخرى لتقوم به. وأحد أوضح الأمثلة على ذلك هو الاتصال عبر الهاتف المحمول.
وفقاً لبيانات الجمعية الدولية لشبكات الهاتف المحمول (GSMA)، أسهمت تقنيات وخدمات الهاتف المحمول بنحو 240 مليار دولار في اقتصاد أفريقيا في عام 2025، وهو ما يعادل 7.8 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للقارة. ومن المتوقع أن يرتفع هذا الإسهام إلى نحو 290 مليار دولار بحلول عام 2030 مع استمرار التوسع في تبني الهواتف الذكية والإنترنت والخدمات الرقمية. وهذه الأرقام تمثل ما هو أكبر بكثير من مجرد إيرادات شركات الاتصالات؛ إذ تعكس النشاط الاقتصادي الحيوي الذي يتيحه الهاتف المحمول عبر الزراعة، وتجارة التجزئة، والبنوك، والنقل، والرعاية الصحية، والتعليم، ومجالات لا حصر لها. فالمزارع يتلقى أسعار السوق قبل بيع محصوله، والمتاجر الصغيرة تتواصل مع عملائها عبر تطبيقات المراسلة، والسائقون يستخدمون الخرائط الرقمية لتقليص زمن الرحلات، ورواد الأعمال يسوقون منتجاتهم عبر الإنترنت دون الحاجة لمتاجر تقليدية مكلفة.
التكنولوجيا نفسها ليست سوى جزء من القصة؛ فمساهمتها الحقيقية تكمن في تقليص الوقت والتكلفة اللازمين لإنجاز الأنشطة الاقتصادية اليومية. والخدمات المالية عبر الهاتف (Mobile Money) خير دليل على ذلك:
فقبل انتشار الخدمات المالية الرقمية، كان إرسال الأموال يتطلب السفر إلى فرع مصرفي بعيد، أو الاعتماد على شبكات غير رسمية، أو حمل النقود السائلة لمسافات طويلة، وهي أساليب كانت أبطأ وأغلى وأقل أماناً.
واليوم، يستطيع ملايين الأفارقة تحويل الأموال، وسداد الفواتير، واستلام الرواتب، وإجراء المعاملات التجارية باستخدام هواتفهم البسيطة. وقد يبدو هذا الإجراء عادياً ومألوفاً اليوم، لكن آثاره الاقتصادية كانت قابلة للقياس الملموس:
إذ أظهرت دراسة شملت ساحل العاج وغانا وكينيا والسنغال وتنزانيا أنه بحلول نهاية عام 2023، كان الناتج المحلي الإجمالي في هذه البلدان أعلى بنسبة تتراوح بين 8 و10 بالمائة مما كان يمكن أن يكون عليه دون المعاملات المالية عبر الهاتف. وفي غانا، قدر الباحثون أن مساهمة المعاملات المالية عبر الهاتف في الاقتصاد كانت تضاهي الناتج الإجمالي لقطاع التصنيع في البلاد بأكمله!
وهذه النتائج بالغة الدلالة لأنها تثبت أن البنية التحتية الرقمية لا تغير طريقة تواصل الناس فحسب، بل تغير كيفية عمل الاقتصاد ذاته.
والنمط نفسه بدأ يظهر في مجالات أخرى: فالمنصات الرقمية تساعد الشركات على الوصول لعملاء خارج محيطها المحلي، وشركات الخدمات اللوجستية تستخدم التكنولوجيا لتحسين مسارات التوزيع، والحكومات توسع خدماتها العامة الرقمية لتقليص البيروقراطية، وشركات التكنولوجيا المالية تواصل توسيع الشمول المالي للفئات التي استُبعدت طويلاً من البنوك التقليدية. لكن أياً من هذه التطورات لا يلغي الحاجة الماسة للطرق والموانئ والكهرباء والمصانع.
فالتكنولوجيا الرقمية تكمل البنية التحتية المادية ولا تحل محلها؛ إذ يظل متجر التجزئة الإلكتروني معتمداً على شبكات النقل لتسليم طروده، والمصنع المعتمد على أحدث البرمجيات يحتاج لتيار كهربائي مستقر للحفاظ على خطوطه، وشركة الذكاء الاصطناعي تحتاج لكفاءات بشرية، واتصال إنترنت ثابت، ورؤوس أموال استثمارية صبورة.
فالبنية الرقمية تجعل النشاط القائم أكثر كفاءة، لكنها لا تغني عن القواعد والأساسات المادية التي تُبنى عليها الاقتصادات. ومن الضروري وضع التحول الرقمي في سياقه الواقعي: فالقارة حققت قفزات رائعة، لكن التبني الرقمي يظل متفاوتاً؛ فالوصول إلى الإنترنت والمهارات الرقمية تتباين بشدة بين الدول وبين الحضر والريف، والتحول الرقمي لا يزال قيد التشكل ولم يكتمل بعد. والفرصة لا تقتصر على تأسيس المزيد من شركات البرمجيات، بل في مساعدة الشركات في كل قطاع تقليدي على استخدام الأدوات الرقمية لرفع إنتاجيتها.
وعند النظر إلى المشهد المتكامل الذي يجمع النمو السكاني، والتحضر، والتجارة الإقليمية، والاقتصاد الرقمي، تتضح الصورة الكبرى:
قوة عاملة متنامية تزيد عدد القادرين على الإسهام في الاقتصاد.
ومدن تجمع هؤلاء العمال بالقرب من الشركات والأسواق.
وتجارة توسع قاعدة العملاء التي يمكن للشركات خدمتهم.
وتكنولوجيا رقمية تساعد الشركات على العمل بكفاءة أعلى.
كل عنصر يعزز الآخر، لكن أياً منها لا يضمن بمفرده دخلاً أعلى؛ فكلها تقود في النهاية إلى السؤال الجوهري ذاته:
"هل تستطيع الاقتصادات الأفريقية تمكين كل عامل من إنتاج قيمة أكبر من ذي قبل؟"
والإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ملامح اقتصاد أفريقيا بحلول عام 2050.
كيف يمكن أن تبدو أفريقيا بحلول عام 2050؟
في هذا القسم
وفي هذا السيناريو، تبقى أفريقيا سوقاً متزايد الأهمية بسبب حجمه فقط، بينما يقصر نمو الإنتاجية عن بلوغ إمكاناته الكاملة.
بدأ نمط مترابط في التشكل بوضوح: غالباً ما يُناقش النمو السكاني، والتحضر، والتجارة الإقليمية، والتكنولوجيا كعوامل منفصلة، لكنها في الحقيقة وثيقة الصلة ببعضها البعض.
ولهذا فإن استشراف مستقبل أفريقيا الاقتصادي يتطلب النظر إلى ما وراء الإحصائيات الفردية: فقد يتضاعف عدد سكان القارة، وتواصل مدنها التوسع، وتنتشر الهواتف بصورة أكبر، وتنمو التجارة البينية؛ لكن أياً من تلك التطورات لا ينتج تلقائياً مستويات معيشة أعلى، بل السؤال الحاسم هو ما إذا كانت ستقود إلى إنتاجية أعلى.
إذا حدث ذلك، فسيبدو اقتصاد أفريقيا في عام 2050 مختلفاً كلياً عن اليوم؛ وإذا لم يحدث، فقد تستمر التحديات الهيكلية ذاتها على الرغم من التحولات الديمغرافية والتكنولوجية المبهرة.
وبدلاً من افتراض سيناريو حتمي واحد، من المفيد استعراض ثلاثة مسارات محتملة:
السيناريو الأول: أفريقيا أكثر إنتاجية
في هذا السيناريو، تبدأ الاستثمارات طويلة الأجل في تعزيز بعضها البعض: تخرج المنظومات التعليمية كوادر تتمتع بمهارات فنية وعملية قوية، وتستثمر الشركات بثقة أكبر لاستقرار الكهرباء والنقل والتشريعات، وتنمو المدن بكثافة ذكية تجعل الخدمات والنقل أقل كلفة وأعلى كفاءة، وتخفض اتفاقية AfCFTA تكاليف المعاملات الحدودية مما يفتح أسواقاً قارية واسعة، وتواصل التكنولوجيا الرقمية خفض تكاليف المدفوعات والمعاملات عبر كافة القطاعات.
وفي ظل هذه الظروف، تتضاعف إنتاجية الشركات، ويتمكن العمال من إنتاج قيمة أكبر بفضل امتلاك أدوات متطورة ومهارات عالية وأسواق رحبة. ويتوسع التوظيف الرسمي المنظم إلى جانب ريادة الأعمال، مما يولد دخولاً مستقرة وإيرادات ضريبية وفيرة تتيح للدول الاستثمار في الصحة والتعليم والبنية التحتية، ليتعزز مسار النمو بصورة مستدامة.
وهنا يصبح النمو السكاني ميزة تفاضلية حقيقية، ويتجلى العائد الديمغرافي ليس لأن عدد السكان زاد، بل لأن كل عامل إضافي يسهم في الاقتصاد بأكثر مما أسهم به الجيل السابق.
السيناريو الثاني: نمو عددي دون إنتاجية كافية
هناك مسار ثانٍ محتمل: يواصل السكان نموهم، وتتسع رقعة المدن، ويزداد انتشار الهواتف، وتطبق المزيد من الدول اتفاقية التجارة؛ لكن الإنتاجية تتحسن ببطء شديد.
تواصل الشركات مواجهة أزمات الكهرباء، واللوجستيات الباهظة، وصعوبة التمويل، وغياب اليقين التنظيمي؛ وتنجح المدارس في استيعاب الطلاب دون تحسين حقيقي في جودة مخرجات التعليم؛ ويتجاوز النمو الحضري وتيرة الاستثمار في البنية التحتية، فتتضخم المدن في صورة اختناقات غير فعالة.
يستمر النشاط الاقتصادي الإجمالي في النمو لمجرد وجود أعداد أكبر تشتري وتبيع وتستهلك؛ ينمو الناتج المحلي الإجمالي، وتتسع أسواق المستهلكين، ويزداد الطلب على السكن والخدمات؛ لكن نصيب الفرد من الدخل ينمو ببطء شديد، أبطأ من حركة الحلزون.
وهذا فارق جوهري: إذ يمكن للاقتصادات أن تصبح أكبر حجماً دون أن تصبح أكثر ثراءً ورخاءً؛ فالبلد الذي يتضاعف سكانه ينتج سلعاً أكثر إجمالاً، لكن هذا لا يعني أن كل أسرة تتمتع بمستوى معيشة أرقى. وفي هذا السيناريو، تبقى أفريقيا سوقاً متزايد الأهمية بسبب حجمه فقط، بينما يقصر نمو الإنتاجية عن بلوغ إمكاناته الكاملة.
السيناريو الثالث: تقدم متفاوت وغير متكافئ
هذا الاحتمال الثالث هو الأكثر واقعية وترجيحاً: لن تتحرك أفريقيا في اتجاه واحد موحد؛ إذ ستحقق بعض الدول تقدماً جوهرياً بينما تتقدم دول أخرى بخطى بطيئة.
المدن الكبرى ذات البنية التحتية القوية ستجذب الاستثمارات وتؤسس صناعات عالية الإنتاجية، بينما ستكافح مراكز حضرية أخرى مع الازدحام وضعف الخدمات العامة؛ وستنجح حكومات في تطبيق الإصلاحات التجارية بحزم، بينما ستتعثر أخرى في القيود الإدارية؛ وسيزدهر الابتكار الرقمي سريعاً في أسواق محددة بينما يظل محدوداً في غيرها.
وهذا التفاوت ليس غريباً؛ فالتنمية الاقتصادية نادراً ما حدثت بالتساوي، سواء داخل الدول أو عبر الأقاليم؛ فقد شهدت شرق آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية فترات تقدمت فيها مدن وقطاعات ودول أسرع بكثير من غيرها قبل أن يعم النمو أرجاء الإقليم.
وتنوع أفريقيا الهائل يرجح تكرار هذا النمط: فبدلاً من رواية قارية واحدة، قد نكون أمام عشرات الروايات الوطنية والإقليمية التي تتكشف في الوقت ذاته؛ فبعض الاقتصادات ستصبح مراكز صناعية، وأخرى ستتخصص في الخدمات الرقمية أو السياحة أو اللوجستيات أو الطاقة المتجددة أو الزراعة أو التمويل.
قد تختلف القطاعات والصناعات، لكن المبدأ الجوهري يظل ثابتاً لا يتغير: البلدان التي تحسن إنتاجيتها بصورة منهجية ومستدامة هي الأكثر قدرة على تحقيق طفرات دائمة في مستويات معيشة شعوبها مقارنة بتلك التي تركن للنمو الديمغرافي بمفرده.
الخيط المشترك الحاسم
بالنظر عبر هذه السيناريوهات المختلفة، نصل إلى خلاصة ثابتة لا لبس فيها: الجانب الأكثر قابلية للتنبؤ في مستقبل أفريقيا ليس مستوى دخلها، بل تركيبتها الديمغرافية.
قد تتغير التوقعات السكانية قليلاً، لكن الاتجاه العام بات محسوماً: ستضم القارة سكاناً في سن العمل في العقود القادمة يفوقون بمراحل ما تضمه اليوم.
أما كل ما عدا ذلك، فيظل مفتوحاً على كل الاحتمالات:
جودة التعليم يمكن أن ترتقي أو تركد.
والبنية التحتية يمكن أن تواكب نمو المدن أو تتخلف عنه.
والشركات يمكن أن تختار الاستثمار الجريء أو تؤجل التوسع.
والاتفاقيات التجارية يمكن أن تُطبق بحذافيرها أو تبقى حبراً على ورق.
والتقنيات الرقمية يمكن أن تعم الاقتصاد بأكمله أو تنحصر في قطاعات ضيقة.
تلك كلها خيارات اقتصادية وقرارات سياسات وليست نتائج ديمغرافية حتمية؛ ولذا ينبغي للحوارات حول مستقبل أفريقيا أن تركز بدرجة أقل على حجم سكانها، وبدرجة أكبر على بناء الشروط التي تجعل هؤلاء السكان منتجين ومبدعين.
خاتمة
في هذا القسم
المستقبل، بعبارة موجزة، لا يتحدد بعدد الأفراد الذين ستضمهم أفريقيا؛ بل يتحدد بما يستطيع أولئك الأفراد بناءه وصناعته بأيديهم.
لن يُكتب الفصل الاقتصادي القادم لأفريقيا بالديمغرافيا وحدها.
القوة العاملة الأكبر تخلق الفرصة، لكن الفرصة ليست هي الثروة؛ فالثروة تولد عندما يمتلك العمال المهارات لحل المشكلات المعقدة، وعندما تمتلك الشركات الثقة للاستثمار طويل الأجل، وعندما تدعم المدن النشاط الاقتصادي بدلاً من عرقلته، وعندما يصبح الوصول إلى الأسواق سلساً وميسراً، وعندما تؤسس المؤسسات بيئة تسمح للإنتاجية بالتطور المستمر مع مرور الأيام.
والنمو السكاني يجعل كل هذه الاستثمارات أكثر إلحاحاً وأهمية؛ ولا يغني عنها بأي حال من الأحوال.
بحلول عام 2050، ستكون أفريقيا بالتأكيد موطناً لإحدى أضخم القوى العاملة على وجه البسيطة. هذا واقع عكسته المؤشرات الديمغرافية بالفعل.
أما ما إذا كانت ستصبح أيضاً واحدة من أكثر المناطق الاقتصادية إنتاجية وازدهاراً، فهذا يتوقف على القرارات التي يتخذها اليوم قادة الحكومات، وأصحاب الأعمال، والمستثمرون، والمعلمون، ورواد الأعمال في كافة أنحاء القارة.
المستقبل، بعبارة موجزة، لا يتحدد بعدد الأفراد الذين ستضمهم أفريقيا؛ بل يتحدد بما يستطيع أولئك الأفراد بناءه وصناعته بأيديهم.
هذا هو المقال الختامي في سلسلتنا: كيف تخلق أفريقيا القيمة الاقتصادية. إذا أعجبك هذا الطرح، ندعوك للاشتراك في نشرتنا البريدية؛ فمعاً يمكننا المساهمة بحصتنا في دعم النمو والتنمية في أفريقيا عبر التجارة والسياحة المعرفية. كما يمكنك مشاركة هذا المقال مع أصدقائك وزملائك المهتمين.
المراجع
أمانة منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) (2021). الاتفاق المؤسس لمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.https://au-afcfta.org/
البنك الدولي (2022). منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية: الاستثمار وسياسة المنافسة وحقوق الملكية الفكرية. واشنطن: البنك الدولي. https://openknowledge.worldbank.org/